حسن ابراهيم حسن
503
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
فلم يوفق في هذا المقام فخرج . وبعد حين قدم إلى الوزير عشر مقامات . وكان الحريري ضئيل الجسم زرى المنظر عصبى المزاج ، يقتلع شعرات لحيته إذا اشتغل بالتفكير أو الكتابة . ولكنه مع هذا كان موضع تقدير الناس وإكبارهم . ويحكى أن شخصا زاره ، وأراد أن يتلقى عليه شيئا من العلم لذيوع شهرته ، فلما وقع بصره عليه استزرى منظره بأدرك الحريري ما دار في نفسه . ولما طلب هذا الشخص إلى الحريري أن يملى عليه شيئا من الأدب قال له : أكتب وأملاه هذين البيتين : ما أنت أول سار غرّه قمر * ورائد أعجبته خضرة الدّمن « 1 » فاختر لنفسك غيرى إنني رجل * مثل المعيدى « 2 » تسمع بي ولا ترني « 3 » اشتملت مقامات الحريري على فوائد جمة عددها في قوله : « وأنشأت على ما أعانيه من قريحة جامدة وقطنة خالدة وروية ناضبة وهموم ناصبة ، خمسين مقامة تحتوى على جد القول وهزله ورقيق اللفظ وجزله ، وغرر « 4 » البيان ودرره وملح الأدب ونوادره إلى ما وشّحتها « 5 » به من الآيات ومحاسن الكنايات ، ورصعته فيها من الأمثال العربية واللطائف الأدبية والأحاجى « 6 » النحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة والخطب المحبّرة « 7 » والمواعظ المبكية والأضاحيك المهية ، مما أمليت جميعة على لسان أبى زيد السّروجى وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصري « 8 » . وما قصدت بالأحماض « 9 » فيه إلا تنشيط قارئيه وتكثير سواد طالبيه . ولم أودعه من الأشعار
--> ( 1 ) يشير إلى الحديث النبوي وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم إياكم وخضراء الدمن . قالوا : وما خضراء الدمن يا رسول اللّه ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء . ويشير الرسول إلى أن النبات يخرج رائعا شديد الحضرة فوق السماد المتخلف من فضلات الحيوان . ( 2 ) بضم الميم وفتح العين وسكون الباء وفتح الياء الثانية مع التشديد . ( 3 ) يشير إلى المثل العربي « لأن تسمع بالمعيدى خير من أن تراه . والمعبدى شخص قميىء المنظر ذو شهرة . أنظر ابن خلكان ج 3 ص 227 - 231 . ( 4 ) جمع غرة وهي خيار الشئ . ( 5 ) من الوشاح وهو القلادة . ( 6 ) جمع أحجية وهي الأغلوطة يختبر بها العقل . ( 7 ) من التحبير وهو التزين . ( 8 ) يقصد نفسه ، وهذا مأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام : كلكم حارث وكلكم همام . ( 9 ) الاحماض : الانتقال من أسلوب إلى آخر ، مأخوذ من إحماض الإبل وهو انتقالها من مرعى حلو إلى مالح .